السيد محمد حسين فضل الله

355

من وحي القرآن

من موقع القناعة ويملكون كلمة القبول من موقع الاختيار ، وعبيد أمام اللَّه الواحد لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . وَحَصُوراً حصر شهواته ، فلا يدعها تتحرك في نطاق الإشباع والارتواء . وكان ذلك من القيم الكبيرة في ذلك الوقت لما يدلّ عليه من الطاقة الروحية العظيمة التي تدفع الإرادة إلى الصلابة والتضحية وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ الذين أراد اللَّه لهم أن يتقبلوا وحيه بأرواحهم ويحملوها للناس رسالة وهدى وإيمانا . وقد أكد اللَّه له في هذه البشارة ، أن ذلك قد كان بكلمة منه ، والكلمة تعني القدرة التي لا تحتاج في تعلقها بالأشياء إلى أسباب مألوفة مما تعارف عند الناس من أسباب . ووقف زكريّا مدهوشا مما يسمعه ، وأخذته الحيرة من ذلك كله ، هل هو في حلم أم يقظة ؟ هل هي كلمات الرحمن أم هي شيء من التخييل ؟ إنه يفكر في الحواجز الطبيعية التي تحول بينه وبين ذلك ، لقد مضى عليه مدة طويلة حتى بلغ مبلغ الشيخوخة وامرأته عاقر لا تحمل ، ولم يرزق بولد ، فكيف تحدث تلك المفاجأة بمثل هذا التفصيل . تحدث في ما يشبه الاستغاثة التي تريد أن تخرجه من الحيرة . . . قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ وجاء الجواب ، إنك تتحدث مع اللَّه الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون ، فهو الذي خلق الأشياء وخلق معها القوانين والأسباب الطبيعية ، وهو القادر على أن يغيّرها في أيّ وقت يريد في ظل قوانين جديدة ، فما قيمة الحواجز الطبيعية أمام قدرة اللَّه المطلقة حتى يفكر فيها الإنسان المؤمن ؟ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ، وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : 117 ] ، وكأن زكريّا